مبررات رعاية الموهوبين والمتفوقين

يحتاج الطلبة الموهوبون والمتفوقون إلى رعاية تربوية وخدمات متمايزة عن البرامج والخدمات التقليدية المتوافرة في المدارس العادية. وتستند فلسفة إنشاء برامج خاصة لتربية وتعليم الموهوبين والمتفوقين إلى مبررات من أهمها:

أولاً: قصور مناهج التعليم العام:

 تتصف مناهج التعليم المدرسي العام بطبيعتها بأنها جماعية التوجه نظراً لمحدودية الوقت المخصص لكل مادة دراسية, وطول المنهاج المقرر لها, والأعداد الكبيرة للطلبة في معظم الصفوف الدراسية. ويبدو أنه لا خيار للمعلم من الناحية العملية سوى التركيز على الأغلبية التي تقع عادة حول الوسط. وربما يوجه المعلم اهتماماً أكبر لأولئك الذين يتميزون بقدرات دون الوسط, أما اللامعون من الطلبة فلا حظ لهم إلا الانشغال بمهمات ومسائل إضافية من المستوى نفسه الذي يعطى للأغلبية في أحسن الأحوال. وقد أثبتت الدراسات أن الطلبة الموهوبين والمتفوقين يحتاجون إلى رعاية تربوية متمايزة إضافة لما يقدم عادة في برامج المدرسة العادية.

إن الفروق الفردية في مستوى التحصيل الدراسي بين طلبة الصف العادي تتراوح بين 4-8 سنوات. ومن الطبيعي أن تزداد الفروق الفردية مع تحسن نوعية التعليم الصفي ومع التقدم في السلم الدراسي. كما أنه من المتوقع في مثل هذا الوضع أن يواجه المعلمون صعوبة في التعامل مع الحالات المتطرفة من الطلبة سواء أكانوا موهوبين ومتفوقين أم معوقين عقلياً, وأن يواجه هؤلاء الطلبة حالة من الضجر والملل نتيجة لعدم تحدي قدراتهم إذا كانوا موهوبين ومتفوقين, أو لعدم قدرتهم على الارتقاء إلى مستوى المهمات والبرامج التعليمية التي تصمم عادة للطلبة المتوسطين إذا كانوا من ذوي صعوبات التعلم أو الإعاقات العقلية.

وإذا كان الاتفاق واسعاً بين المربين والباحثين ومتخذي القرار على ضرورة إدخال تعديلات على النظام التربوي لحل مشكلة الطلبة الذين يقعون في أدنى سلم القدرة, فإن المختصين في علم نفس الموهبة يستخدمون نفس المنطق في دفاعهم عن حاجة الموهوبين والمتفوقين لبرامج خاصة.

ثانياً: التربية الخاصة حق للطفل الموهوب والمتفوق:

 ينتمي الأطفال الموهوبون والمتفوقون إلى مجتمع ذوي الاحتياجات الخاصة, ولذلك فهم بحاجة إلى رعاية خاصة ومن حقهم أن يحصلوا على فرص متكافئة كغيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة في المؤسسات التربوية مثل بطئي التعلم والمعوقين عقلياً.

ومن الطريف في هذا الصدد أن نشير إلى أن اختبار بينيه للذكاء الذي وضع أساساً للكشف عن الأطفال الأغبياء أو ذوي القدرة العقلية المتدنية حتى يمكن عزلهم وتنظيم برامج تربوية خاصة لهم, هو الاختبار نفسه الذي طوره لويس تيرمان ونقل إلى دول عديدة ليحتل المركز الأول بين أساليب الكشف عن الأطفال الموهوبين والمتفوقين من أجل إلحاقهم ببرامج خاصة.

أما الزعم بأن الطفل الموهوب والمتفوق لا يحتاج مساعدة ويستطيع النجاح بالاعتماد على نفسه فقد أثبتت الدراسات عدم صحته بعد أن تبين وجود نسبة لا بأس بها من الموهوبين والمتفوقين بين المتسربين من المدارس قبل إكمال دراساتهم. وتزداد أهمية التربية الخاصة بالنسبة لأطفال الطبقات المتوسطة والفقيرة ممن لا تتوفر في بيوتهم مكتبات أو أدوات موسيقى أو حواسيب أو غيرها من المثيرات التربوية.

ثالثاً: رفاه المجتمع وتنميته:

 يمثل الأطفال الموهوبون والمتفوقون ثروة وطنية في غاية الأهمية ومن الواجب أن لا يتم تبديدها بالإهمال وانعدام الرعاية. كما أن وقوف المجتمع في وجه التحديات التي تفرضها طبيعة العصر يعتمد بدرجة كبيرة على مدى الرعاية التي تقدم لهذه الفئة وتوفير الفرص التربوية المناسبة التي يمكن أن تساعد كل طفل في الوصول إلى أقصى طاقاته. ولا يخفى على أحد أن الصراع الحالي والمستقبلي بين دول العالم محكوم بقدراتها في المجالات العلمية والتقنية والاقتصادية والعسكرية, ولا شك أن العقول يمكن أن تلعب دوراً بارزاً في تحقيق إنجازات وطنية على هذه الصعيد. ومن خلال هذا الدور يسهم الموهوبون والمتفوقون في رفاه المجتمع وتنميته وضمان أمنه ومستقبله.

رابعاً: تكافؤ الفرص:

تبرز المجتمعات الديمقراطية في دساتيرها وقوانينها ونظمها السياسية

 والاقتصادية والتربوية مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص وتحرص على تطبيقها بين أفرادها. وليس هناك خلاف على أن هذه المبادئ تمثل قيماً اجتماعية سامية. ولكن المشكلة تكمن أساساً في حالة الخلط بين مفهوم المساواة ومفهوم تكافؤ الفرص من ناحية وفي التطبيق من ناحية أخرى. إن تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص في المدرسة يعني أن تهيأ الظروف الملائمة لكل طالب كي يتقدم بأقصى طاقته وأن يحقق ذاته, وهذا هو ما يطمح إليه المدافعون عن حق الطفل الموهوب والمتفوق في الحصول على برنامج تربوي يلبي احتياجاته ويتحدى قدراته.

خامساً: النمو المتوازن للطفل الموهوب:

 يتعرض بعض الأطفال الموهوبين والمتفوقين لمشكلات تكيفيه مع محيطهم من جراء التفاوت في مستويات نموهم الحركي والعقلي والانفعالي. وقد وصفت الباحثة هولينغويرث المشكلات التي يعاني منها الأطفال الموهوبون والمتفوقون, ولا سيما أولئك الذين يتمتعون بمستويات ذكاء مرتفعة, وأوضحت أن الاختلالات الكبيرة بين مستوى النمو العقلي ومستوى النمو الانفعالي للطفل يؤدي في معظم الحالات إلى معاناة في الجوانب العاطفية والاجتماعية. وقد سبق أن أشرنا إلى الخصائص السلوكية للأطفال الموهوبين والمتفوقين وما يمكن أن يترتب عليها من مشكلات تكيفيه لا تقتصر على المستوى الانفعالي فحسب بل قد تمتد لتشمل المستوى المعرفي كما يعكسه التحصيل المدرسي.

إن العزلة والانطوائية وعدم تقبل الروتين ونقد الذات ونقد الآخرين بقسوة, والنزعة للكمال والهروب من مواجهة المواقف أحياناً وتدني التحصيل المدرسي ليست سوى أمثلة محدودة لبعض المشكلات التي قد يتعرض لها بعض الطلبة من الموهوبين والمتفوقين. ومن الطبيعي أن يكون التدخل المبرمج من قبل المعلمين والمرشدين وسيلة فعالة لوقاية هؤلاء الطلبة وإنقاذهم من المعاناة والمضاعفات التي قد تترتب على استمرارها.

* المصدر

– موقع منار للتربية الخاصة

– الموهبة والتفوق والإبداع ، د. فتحي جروان، رئيس المجلس العربي للموهوبين والمتفوقين.

عن malnaiem

شاهد أيضاً

أنشطة مفيدة لنمو طفلكِ وتنمية ذكائه

أنشطة مفيدة لنمو طفلكِ وتنمية ذكائه إعاقتي – سالي داود لا بد أن الوقت الذي …

اترك تعليقاً