مترجم : مقهى يديره الاشخاص الصم في إندونيسيا

اعاقتي – اسماء ماهر

في جاكرتا، بعد التقديم على أكثر من 200 شركة ورفض الجميع ، أرسل أديكا براكوسو [ Adhika Prakoso ] الاصم صاحب ال29 عاماً والذي تخرج بشهادة في الفنون البصرية في عام 2016 رسالة إلى صديقة طفولته بوتري سانتوسو [ Putri Santoso ] في أوائل العام الماضي : هل وجدت أي وظيفة؟

ردت السيدة سانتوسو بالنفي ، مضيفة أنها قد أرسلت سيرتها الذاتية إلى أكثر من 500 شركة، فسألها إن كانت تود بدأ عملهم التجاري الخاص مع بعضهم البعض فوافقت على الاقتراح واقترحت أيضاً أن يتعاملون مع صديق مشترك ، وهو السيد تري إروينسيا بوترا [ Tri Erwinsyah Putra ] ، الذي كان يواجه نفس المعضلة.

في ذلك المساء ، التقى الأصدقاء الثلاثة – الذين فقدوا سمعهم وهم أطفال صغار ويعرفون بعضهم البعض منذ رياض الأطفال – في مركز تجاري لعرض الأفكار التجارية. قال السيد براكوسو لـ CNA من خلال مترجم لغة الاشارة : استقررنا على فتح مقهى، ليس اي مقهى بل مقهى يوظف بشكل خاص الاشخاص الصم.

لقد قررنا أن نسميها كوبي تولي [ Kopi Tuli ] (مقهى الصم)، لأن ذلك سيكون هويتنا، هذا هو ما يميزنا.

يحظر القانون الإندونيسي الخاص بالإعاقة ، الذي تم إقراره في عام 2016 ، التمييز في عملية التوظيف ويفرض على الشركات تخصيص 1٪ من القوى العاملة للأشخاص ذوي الإعاقة.
ولكن بعد أن تم إخباره عدة مرات بأنه لن يكون لائقًا في مكان العمل بسبب عدم قدرته على الانخراط في “اتصالات جيدة وسريعة” ، تساءل السيد براكوسو عن مقدار الحصة التي ذهبت إلى ضعاف السمع وأضاف أنه مما يبدو فإن الصم يبدون كآخر مجموعة من التي ستوظفها الشركات.

نظرًا لخبراتهم ونضالاتهم السابقة ، وضع الثلاثي “كوبي تولي” كجسر بين الصم والسمع ، وجعلوه مكانًا لتعزيز لغة الإشارة ولتمكين الصم، حتى يكونوا مستقلين اقتصاديًا.

كان الثلاثة محظوظين لأن لديهم عائلات داعمة أحببت الفكرة ووافقوا على تمويل مشروع أعمالهم، حتى أن عم السيد براكوسو، وهو متعصب كلاسيكي للدراجات البخارية، قد قدم مطعمه ذي الطراز القديم في كروكوت، جنوب جاكرتا، ليحولوه إلى مقهى.

ولكن كانت هناك مشكلة واحدة فقط : لم يعرف أي منهم كيفية تحضير فنجان قهوة جيد، لذلك أمضوا الأسابيع التالية يتعلمون كيف يصبحون باريستا، ويحضرون دروسًا في مختلف المقاهي في جاكرتا وحتى باندونغ ، على بعد حوالي 150 كم من العاصمة الإندونيسية، وأوضح بوترا قائلاً: يستغرق الشخص الصم وقتًا أطول لتعلم مهارات جديدة.

وللبدأ، يمكنهم فقط قراءة شفاه المعلمين، وهي مشكلة إذا كان المعلمون يتحدثون بسرعة كبيرة، أو يقفون بعيدًا على خشبة المسرح أو ببساطة لا يواجهون الطلاب.

قال بوترا : كان علينا أن نذهب إلى المدربين ونشرح لهم أننا صماء حتى نطلب منهم تكرار ما قالوه ببطء، فقد كان يساء فهمهم حتى ذلك الحين، على سبيل المثال : تبدو كلمة ماما وبابا متشابهة للأصم الذي يقرأ لغة الشفاة. لذلك فليس من الغريب إذا واصلنا التساؤل مرارًا وتكرارًا.

نشأت مشكلة أخرى عندما أظهر المعلمون أسلوبًا وتطبيقاً أثناء التحدث في نفس الوقت، مما أدى إلى تشتيت انتباه الصم، وبالمثل كان التحدي حينما لم يتمكنوا من التواصل معهم بينما أيديهم تفعل شيئا آخر، وكذلك لم يتمكنوا من الاستماع للأصوات الذي تصدره أجهزتهم، مما اضطرهم إلى لمس واستشعار الاجهزة لمعرفة ما إذا كانت تقوم بالمهام المقصودة. يقول بوترا : لقد كانت هناك تحديات كثيرة، لكننا لم نجعلها توقفنا.

افتتح “كولي تولي” أبوابه في 12 مايو من العام الماضي، محتفظًا بنفس شكل السكوتر القديم لمطعم عم السيد براكاسو المتعصب، بشعار لغة الإشارة الإندونيسية لـ “قهوة”.

أصبح المقهى ضربة سريعة بين السكان المحليين في المنطقة السكنية الناشئة، وقد ظل حتى الآن بمنأى بعيد عن مقاهي وسلاسل مطاعم راسخة.

مع المشروبات التي يتراوح سعرها بين 19000 و 21000 روبية (1.34 دولار أمريكي و 1.48 دولار أمريكي)، تم اعتبار كوبي تولي مكانًا جذابًا للشباب للاستراحة والاسترخاء. بدون أن يتم تشغيل أي موسيقى في الخلفية أو توفير خدمة واي فاي.

قال بوترا : أردنا تشجيع الناس على الدردشة والتواصل، ومنعهم من التحديق في هواتفهم قدر المستطاع. وقد وفرنا أيضًا ألعاب لوحية للناس من أجل اللعب والاستمتاع والتفاعل مع بعضهم البعض لدينا.

ذكرت السيدة كريستينا أناستازيا، وهي من السكان المحليين، شعورها بالارتباك عند وصولها إلى كوبي تولي، قائلة : قبل زيارتي الأولى ، لم يكن لدي أي فكرة أن هذا المقهى يوظف الأشخاص الصم، لم أكن متأكدةً من كيفية الطلب لكنهم سايروني وأظهروا لي أن كل ما علي فعله هو مجرد الإشارة إلى القائمة. الناس هنا لطيفون جدا، حتى أنهم يعلمونني لغة الإشارة الأساسية ، مثل كيف أقول شكرا لك.

صمم السيد بوترا -بعد أن درس تصميم الرسوم البيانية- قائمة الطلب لتوجيه كل من السمع والصم عن كيفية الطلب، فعين أول 12 حرف أبجدي بالانجليزية كل حرف منها مع نوع الطلب، مُرفقاً صورة توضح للعملاء كيفية نطق الحرف بلغة الاشارة. يقول معلقاً : ليس لدينا لغة إشارة محددة لـ “كابتشينو” أو “أمريكانو” ، لذلك فقد صممتها بحيث يمكن للعملاء الطلب عن طريق لغة الاشارة لأحد الحروف.

كان مقهى كوبي تولي ناجحًا لدرجة أن المؤسسين الثلاثة افتتحوا فرعاً ثانياً بعد أشهر قليلة في شهر أكتوبر في مجمع مكاتب وتجاري جديد في دورين تيقا [ Duren Tiga ] بجاكرتا الجنوبية حيث تقام فيه أيضاً فصول لغة الإشارة كل مساء.

منذ افتتاح كوبي تولي، دُعي المؤسسون الثلاثة للتحدث في الجامعات ومناسبات الشركات لمشاركة قصتهم، يقول براكاسو : نحن ننتهز كل هذه الفرص حتى نلقي الضوء على التمييز الذي نواجهه نحن الصم -ويضيف قائلاً- يمكن للصم القيام بأي نوع من العمل ، بما في ذلك في القطاع الرسمي.

يوافقه السيد بوترا قائلاً : نحن نستطيع فعل اي شيء طالما الشركات تمنحنا الفرصة. ويتعين عليها أن تدرك أننا ببساطة نتواصل بشكل مختلف عن الآخرين، وأن كل ما يتطلبه الأمر للتغلب على عقبة التواصل هذه هو أن يقيموا تدريباً قصيراً للأشخاص السمع عن كيفية التواصل مع زملائهم الصم. فأنا قبل التخرج كنت متدرباً في شركة إعلانات، وقد أنجزت عملي تمامًا مثل العمال الآخرين هناك. كان التواصل تحديا في البداية لكننا تغلبنا على هذه العقبة بسرعة.

وقالت السيدة عصري ألاني [ Asri Alyani ] صاحبة ال23 سنة التي تعمل في كوبي تولي : في كثير من الأحيان لا يحصل ذوي الصم على نفس الفرص التي يتمتع بها أقرانهم أصحاب القدرات الجسدية حتى عندما تقوم الشركات بتوظيف أشخاص ذوي إعاقة.

ففي وظيفتها السابقة في السوبر ماركت ، تم تكليفها فقط للقيام بأعمال وضيعة – مثل فحص المخزون أو القيام بالمحاسبة الأساسية – والذي لا يتطلب منها التواصل مع العمال أو العملاء الآخرين. وقالت : لقد منحوني عقدًا لمدة عام ، وليس وظيفة بدوام كامل مثل المتقدمين الآخرين، فبمجرد انتهاء عقدي ، كنت عاطلةً عن العمل مرة أخرى. قالت أيضاً أن العديد من صديقاتها المعوقات عاطلات عن العمل حاليا، أما أولئك الذين لديهم وظائف فإن معظمهم يعملون بشكل غير رسمي كميكانيكيين أو عمال بوابات.

وفقاً لوزارة القوى العاملة، فإن من بين 136 مليون من السكان في سن العمل في إندونيسيا ، 21.9 مليون يعانون من بعض أشكال الإعاقة ولكن 10.8 مليون فقط يعملون. وقالت الوزارة إنها ستستمر في دفع الشركات إلى الارتقاء إلى مستوى التوظيف البالغ 1% للأشخاص الذين يعانون من الإعاقة، وفقًا لما ينص عليه القانون.

ومع ذلك ، وجدت السيدة مولي مولاني روتنسولو ، رئيسة الجمعية الإندونيسية للنساء ذوات الإعاقة ، أن بيانات الوزارة مشكوك فيها.

“لا يميز هذا الرقم بين الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعملون في القطاع الرسمي والذين يعملون في القطاع غير الرسمي ولذلك فأنا أعتقد أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعملون رسميًا كعامل بدوام كامل أقل من مليون شخص” قال ناشط لـ CNA.

ومع ملاحظة أن الشركات بدأت في التغيير منذ تطبيق قانون 2016 ، قالت إم دي روتنسولو [ Mdm Rotinsulu ] : إن التغييرات لا تزال بطيئة للغاية، والقانون لم يحدد نوع العقوبة التي ستحصل عليها الشركات إذا لم تمتثل له. كما أنها قد اشتبهت في أن الأشخاص الذين يعملون رسميًا لديهم فقط أشكال خفيفة من الإعاقة ، بدلاً من أولئك الذين يكونون على كرسي متحرك أو قد فقدوا بصرهم أو سمعهم تمامًا.

تقول روتنسولو : لا تزال الشركات ترى أن توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة يشكل عبئًا. ولكن ما دامت لديهم أموال لبناء مكاتب فخمة ، إذا يجب أن يكونوا قادرين على بناء سلالم للناس على الكراسي المتحركة، وإذا كان بإمكانهم تزويد عمالهم ببرنامج الكمبيوتر الضروري، فما المشكلة في توفير برنامج آخر لمساعدة العاملين ضعاف البصر؟

وأضافت أنه بالنسبة للتواصل مع الصم ، يمكن للشركات استخدام رسائل البريد الإلكتروني ومنصات الرسائل والتطبيقات.

تقدم كولي تولي الآن فرص عمل لستة أشخاص صماء. قال بوترا : تقدم العديد من أصدقائنا الصم بطلب منا لاستئجارهم، وأتمنى أن نوظفهم جميعًا ولكن لا يمكننا ذلك. وأنا آمل أن يفتح مشروعنا أعين الناس وأن يشجع الشركات على البدء في توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة، وأن نلهم الأشخاص ذوي الإعاقة الآخرين على بدء أعمالهم التجارية الخاصة وتمكين الآخرين.

المصدر : CNA

عن أسماء ماهر

النعيم، أسماء. طالبة تخصص لغة انجليزية وناشطة في مجال الاعاقة.

شاهد أيضاً

لوحة للفنان التشكيلي عبدالله بن صقر

باحث سعودي يؤكد أهمية علاج التوحد بالفن التشكيلي

اعاقتي – اسماء ماهر شدد الأكاديمي والباحث السعودي الدكتور عبدالعزيز الدقيل، على قدرة الفن التشكيلي …

اترك تعليقاً